السيد كمال الحيدري
42
معرفة الله
فإذا ما خُلّي القلب من الأغيار واختلى بمحبوبه الأوحد ، سُقي شراباً طهوراً وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً « 1 » من كأس الحبّ والتطهير التامّ عمّا سوى المحبوب « 2 » ، ويا له من شراب عذب سائغ ومن سُقي لا ظمأ بعده أبداً ، ومن ساق أزال كلّ الوسائط عن محبّيه « وسقاهم ربّهم » فلا واسطة ولا مسافات تحجبهم عنه ، وعندئذ يتميّز من كان يعبد ربّه حبّاً وشكراً عمّن كان يعبده طمعاً في جنّته أو خوفاً من ناره « 3 » ، فلا يكون بينه وبين محبوبه حاجب ولا ساتر ، وهذا هو معنى القرب والفوز العظيم ؛ يقول الطباطبائي : « وهؤلاء هم المقرّبون الفائزون بقربه تعالى ، إذ لا يحول بينهم وبين ربّهم ممّا يقع عليه الحسّ أو يتعلّق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان ، فإنّ كلّ ما يتراءى لهم ليس إلّا آية كاشفة عن الحقّ تعالى ، لا حاجباً ساتراً ، فيفيض عليهم ربّهم علم اليقين ، ويكشف لهم عمّا عنده من الحقائق المستورة عن هذه الأعين المادّية العميقة ، بعدما يرفع الستر فيما بينه وبينهم . . . » « 4 » .
--> ( 1 ) الإنسان : 21 . ( 2 ) عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال في ذيل آية وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً : « يُطهّرهم عن كلّ شيء سوى الله » . انظر : تفسير الصافي للفيض الكاشاني منشورات الأعلمي ، 1982 م ، بيروت : ج 5 ص 165 . ( 3 ) عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « العباد ثلاثة : قومٌ عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقومٌ عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء ، وقومٌ عبدوا الله حبّاً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة » . انظر : أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 84 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العبادة . ( 4 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ص 177 176 .